
محمد العمار
صافرة القطار ورائحة التين: ذاكرة الأيام الهادئة في مَهين
في قلب البادية السورية، وحيث تلتقي قسوة الصحراء برقة الخضرة، كانت بلدة "مَهين" تعيش إيقاعاً يومياً يشبه الشعر. قديماً، لم تكن البلدة تُعرف إلا باسمها الآرامي "ميا حي" أي "المياه الحية"، وهو اسم لم يأتِ من فراغ؛ فقد كانت الينابيع العذبة تنبع من بطن الأرض لتسقي بساتين التين والزيتون وكروم العنب التي زنّرت البلدة كطوق من الزمرد. تبدأ القصة الحقيقية لمهين في أواسط القرن العشرين، في كل صباح مع بزوغ الفجر. كان اهل البلد يخرجون إلى بساتينهم للسقاية والاعتناء بالأشجار، في مشهد تعاوني يشارك فيه الجيران او العائلة في تقليم الأشجار وقطافها كأنهم عائلة واحدة. لكن الحدث الأبرز الذي كان يكسر هدوء البادية يومياً هو صوت صافرة "قطار مهين". كانت محطة القطار التي تمر بالبلدة تمثل شريان الحياة وصِلة الوصل بين أهالي الريف والمدن الكبرى مثل دمشق وحمص. في مواسم القطاف، كانت المحطة تضج بالحركة؛ حيث تُحمل صناديق التين المهيني الشهير والمشمش لتسافر عبر القطار إلى أسواق المدن. وفي المقابل، كان القطار يجلب التجار والزوار الذين يقصدون "السوق الغربي" في البلدة، وهو سوق متواضع لكنه يعج بالحياة والألفة والمحبة. ومع مغيب الشمس، وبعد يوم طويل من العمل في البساتين وحركة السوق، كانت أبواب "المضافات" تُفتح لتستقبل الأهالي والضيوف. هناك، تفوح رائحة القهوة العربية المُرّة التي تُعَد على الحطب، وتدور الفناجين مصحوبة بأحاديث الشيب والشباب وحكايات البادية. لم تكن هذه المضافات مجرد غرف لاستقبال الضيوف، بل كانت مدارس حقيقية تُنقل فيها قيم الكرم والشهامة والترابط من جيل إلى جيل. هذه هي مَهين الحقيقية؛ ليست مجرد نقطة جغرافية، بل واحة من الطمأنينة، ورائحة أرض طيبة، وصوت قطار يحمل الخير، وفنجان قهوة يجمع القلوب.